منتدي رضوان عبدالسلام المحامي بالنقض

السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
اهلا بكم في منتدي الافوكاتو الشامل
هذه الرسالة تفيد انك غير مسجل نرجو تسجيل الدخول
او التسجيل في المنتدي
وشكراا
منتدي رضوان عبدالسلام المحامي بالنقض

منتدي رضوان عبدالسلام المحامي بالنقض

اعلان هام

& اهلا بكم في منتدي رضوان عبدالسلام القانوني نرحب بالاعضاء والزوار

    تفاصيل صفحة عقد الصلح في الشريعة الإسلامية - الجزء الأول

    شاطر
    avatar
    المديرالعام
    Admin

    عدد المساهمات : 356
    نقاط : 1067
    تاريخ التسجيل : 14/05/2011

    تفاصيل صفحة عقد الصلح في الشريعة الإسلامية - الجزء الأول

    مُساهمة  المديرالعام في الأحد مايو 15, 2011 6:24 pm





    عقد الصُلْح في الشريعة الإسلامية

    ( الجزء الأول )

    التّعريف :

    الصّلح في اللّغة : اسم بمعنى المصالحة والتّصالح ، خلاف المخاصمة والتّخاصم .

    قال الرّاغب : والصّلح يختصّ بإزالة النّفار بين النّاس . يقال : اصطلحوا وتصالحوا .

    وعلى ذلك يقال : وقع بينهما الصّلح ، وصالحه على كذا ، وتصالحا عليه واصطلحا ، وهم لنا صلح ، أي مصالحون .

    وفي الاصطلاح : معاقدة يرتفع بها النّزاع بين الخصوم ، ويتوصّل بها إلى الموافقة بين المختلفين .

    فهو عقد وضع لرفع المنازعة بعد وقوعها بالتّراضي ، وهذا عند الحنفيّة .

    وزاد المالكيّة على هذا المدلول : العقد على رفعها قبل وقوعها - أيضاً - وقاية ، فجاء في تعريف ابن عرفة للصّلح : أنّه انتقال عن حقّ أو دعوى بعوض لرفع نزاع ، أو خوف وقوعه ففي التّعبير ب ( خوف وقوعه ) إشارة إلى جواز الصّلح لتوقّي منازعةً غير قائمة بالفعل ، ولكنّها محتملة الوقوع .

    والمصالح : هو المباشر لعقد الصّلح والمصالح عنه : هو الشّيء المتنازع فيه إذا قطع النّزاع فيه بالصّلح والمصالح عليه ، أو المصالح به : هو بدل الصّلح .

    الألفاظ ذات الصّلة :

    أ - التّحكيم :

    التّحكيم عند الفقهاء : تولية حكم لفصل خصومة بين مختلفين . وهذه التّولية قد تكون من القاضي ، وقد تكون من قبل الخصمين .

    ويختلف التّحكيم عن الصّلح من وجهين :

    أحدهما : أنّ التّحكيم ينتج عنه حكم قضائيّ ، بخلاف الصّلح فإنّه ينتج عنه عقد يتراضى عليه الطّرفان المتنازعان . وفرق بين الحكم القضائيّ والعقد الرّضائيّ .

    والثّاني : أنّ الصّلح يتنزّل فيه أحد الطّرفين أو كلاهما عن حقّ ، بخلاف التّحكيم فليس فيه نزول عن حقّ .

    ب - الإبراء :

    الإبراء عبارة عن : إسقاط الشّخص حقّاً له في ذمّة آخر أو قبله . أمّا عن العلاقة بين الصّلح والإبراء ، فلها وجهان :

    أحدهما : أنّ الصّلح إنّما يكون بعد النّزاع عادةً ، والإبراء لا يشترط فيه ذلك .

    والثّاني : أنّ الصّلح قد يتضمّن إبراءً ، وذلك إذا كان فيه إسقاط لجزء من الحقّ المتنازع فيه، وقد لا يتضمّن الإبراء ، بأن يكون مقابل التزام من الطّرف الآخر دون إسقاط .

    ومن هنا : كان بين الصّلح والإبراء عموم وخصوص من وجه ، فيجتمعان في الإبراء بمقابل في حالة النّزاع ، وينفرد الإبراء في الإسقاط مجّاناً ، أو في غير حالة النّزاع ، كما ينفرد الصّلح فيما إذا كان بدل الصّلح عوضًا لا إسقاط فيه .

    ج - العفو :

    العفو : هو التّرك والمحو ، ومنه : عفا اللّه عنك . أي محا ذنوبك ، وترك عقوبتك على اقترافها . عفوت عن الحقّ : أسقطته . كأنّك محوته عن الّذي هو عليه .

    هذا ويختلف العفو عن الصّلح في كون الأوّل إنّما يقع ويصدر من طرف واحد ، بينما الصّلح إنّما يكون بين طرفين . ومن جهة أخرى : فالعفو والصّلح قد يجتمعان كما في حالة العفو عن القصاص إلى مال .

    مشروعيّة الصّلح :

    ثبتت مشروعيّة الصّلح بالكتاب والسّنّة والإجماع والمعقول .

    أمّا الكتاب :

    أ - ففي قوله تعالى : { لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ } قال القاضي أبو الوليد بن رشد : وهذا عامّ في الدّماء والأموال والأعراض ، وفي كلّ شيء يقع التّداعي والاختلاف فيه بين المسلمين .

    ب - وفي قوله تعالى : { وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } فقد أفادت الآية مشروعيّة الصّلح ، حيث إنّه سبحانه وصف الصّلح بأنّه خير ، ولا يوصف بالخيريّة إلاّ ما كان مشروعاً مأذوناً فيه .

    وأمّا السّنّة :

    أ - فما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « الصّلح جائز بين المسلمين » . وفي رواية : « إلاّ صلحاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً » . والحديث واضح الدّلالة على مشروعيّة الصّلح .

    ب - وما روى « كعب بن مالك - رضي الله عنه أنّه لمّا تنازع مع ابن أبي حدرد في دين على ابن أبي حدرد ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أصلح بينهما : بأن استوضع من دين كعب الشّطر ، وأمر غريمه بأداء الشّطر » .

    وأمّا الإجماع :

    فقد أجمع الفقهاء على مشروعيّة الصّلح في الجملة ، وإن كان بينهم اختلاف في جواز بعض صوره .

    وأمّا المعقول :

    فهو أنّ الصّلح رافع لفساد واقع ، أو متوقّع بين المؤمنين ، إذ أكثر ما يكون الصّلح عند النّزاع . والنّزاع سبب الفساد ، والصّلح يهدمه ويرفعه ، ولهذا كان من أجلّ المحاسن .

    أنواع الصّلح :

    الصّلح يتنوّع أنواعاً خمسةً :

    أحدهما : الصّلح بين المسلمين والكفّار . ( ر . جهاد ، جزية ، عهد ، هدنة ) .

    والثّاني : الصّلح بين أهل العدل وأهل البغي . ( ر . بغاة ) .

    والثّالث : الصّلح بين الزّوجين إذا خيف الشّقاق بينهما ، أو خافت الزّوجة إعراض الزّوج عنها .

    والرّابع : الصّلح بين المتخاصمين في غير مال . كما في جنايات العمد .

    والخامس : الصّلح بين المتخاصمين في الأموال . وهذا النّوع هو المبوّب له في كتب الفقه ، وهو موضوع هذا البحث .

    الحكم التّكليفيّ للصّلح :

    قال ابن عرفة : وهو - أي الصّلح - من حيث ذاته مندوب إليه ، وقد يعرض وجوبه عند تعيّن مصلحة ، وحرمته وكراهته لاستلزامه مفسدةً واجبة الدّرء أو راجحته .

    وقال ابن القيّم : الصّلح نوعان :

    أ - صلح عادل جائز . وهو ما كان مبناه رضا اللّه سبحانه ورضا الخصمين ، وأساسه العلم والعدل ، فيكون المصالح عالماً بالوقائع ، عارفاً بالواجب ، قاصداً للعدل كما قال سبحانه : { فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ } .

    ب - وصلح جائر مردود : وهو الّذي يحلّ الحرام أو يحرّم الحلال ، كالصّلح الّذي يتضمّن أكل الرّبا ، أو إسقاط الواجب ، أو ظلم ثالث ، وكما في الإصلاح بين القويّ الظّالم والخصم الضّعيف المظلوم بما يرضي المقتدر صاحب الجاه ، ويكون له فيه الحظّ ، بينما يقع الإغماض والحيف فيه على الضّعيف ، أو لا يمكّن ذلك المظلوم من أخذ حقّه .

    ردّ القاضي الخصوم إلى الصّلح :

    جاء في " البدائع " : ولا بأس أن يردّ القاضي الخصوم إلى الصّلح إن طمع منهم ذلك ، قال اللّه تعالى : { وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } فكان الرّدّ للصّلح ردّاً للخير . وقال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه : " ردّوا الخصوم حتّى يصطلحوا ، فإنّ فصل القضاء يورث بينهم الضّغائن ". فندب - رضي الله عنه - القضاة إلى الصّلح ونبّه على المعنى ، وهو حصول المقصود من غير ضغينة . ولا يزيد على مرّة أو مرّتين ، فإن اصطلحا ، وإلاّ قضى بينهما بما يوجب الشّرع . وإن لم يطمع منهم فلا يردّهم إليه ، بل ينفّذ القضاء فيهم ؛ لأنّه لا فائدة في الرّدّ .

    حقيقة الصّلح :

    يرى جمهور الفقهاء أنّ عقد الصّلح ليس عقداً مستقلّاً قائماً بذاته في شروطه وأحكامه، بل هو متفرّع عن غيره في ذلك ، بمعنى : أنّه تسري عليه أحكام أقرب العقود إليه شبهاً بحسب مضمونه . فالصّلح عن مال بمال يعتبر في حكم البيع ، والصّلح عن مال بمنفعة يعدّ في حكم الإجارة ، والصّلح على بعض العين المدّعاة هبة بعض المدّعى لمن هو في يده، والصّلح عن نقد بنقد له حكم الصّرف ، والصّلح عن مال معيّن بموصوف في الذّمّة في حكم السّلم ، والصّلح في دعوى الدّين على أن يأخذ المدّعي أقلّ من المطلوب ليترك دعواه يعتبر أخذًا لبعض الحقّ ، وإبراءً عن الباقي ... إلخ .

    وثمرة ذلك : أن تجري على الصّلح أحكام العقد الّذي اعتبر به وتراعى فيه شروطه ومتطلّباته . قال الزّيلعيّ : وهذا لأنّ الأصل في الصّلح أن يحمل على أشبه العقود به ، فتجري عليه أحكامه ؛ لأنّ العبرة للمعاني دون الصّورة .

    أقسام الصّلح :

    الصّلح إمّا أن يكون بين المدّعي والمدّعى عليه ، وإمّا أن يكون بين المدّعي والأجنبيّ المتوسّط ، وينقسم إلى ثلاثة أقسام ، صلح عن الإقرار ، وصلح عن الإنكار ، وصلح عن السّكوت .

    الصّلح بين المدّعي والمدّعى عليه :

    وهو ثلاثة أقسام :

    القسم الأوّل :

    الصّلح مع إقرار المدّعى عليه :

    وهو جائز باتّفاق الفقهاء . وهو ضربان : صلح عن الأعيان ، صلح عن الدّيون .

    أ - الصّلح عن الأعيان . وهو نوعان : صلح الحطيطة ، وصلح المعاوضة .

    أوّلاً : صلح الحطيطة :

    وهو الّذي يجري على بعض العين المدّعاة ، كمن صالح من الدّار المدّعاة على نصفها أو ثلثها . وقد اختلف الفقهاء في حكمه على ثلاثة أقوال .

    أحدها : للمالكيّة ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة ورواية عن أحمد : وهو أنّه يعدّ من قبيل هبة بعض المدّعى لمن هو في يده ، فتثبت فيه أحكام الهبة ، سواء وقع بلفظ الهبة أو بلفظ الصّلح .

    قال الشّافعيّة : لأنّ الخاصّيّة الّتي يفتقر إليها لفظ الصّلح ، وهي سبق الخصومة قد حصلت . والثّاني : للحنابلة ، وهو الوجه الثّاني عند الشّافعيّة : وهو أنّه إذا كان له في يده عين ، فقال المقرّ له : وهبتك نصفها ، فأعطني بقيّتها ، فيصحّ ويعتبر له شروط الهبة ؛ لأنّ جائز التّصرّف لا يمنع من هبة بعض حقّه ، كما لا يمنع من استيفائه ، ما لم يقع ذلك بلفظ الصّلح، فإنّه لا يصحّ ؛ لأنّه يكون قد صالح عن بعض ماله ببعضه ، فهو هضم للحقّ ، أو بشرط أن يعطيه الباقي ، كقوله : على أن تعطيني كذا منه أو تعوّضني منه بكذا ؛ لأنّه يقتضي المعاوضة ، فكأنّه عاوض عن بعض حقّه ببعضه ، والمعاوضة عن الشّيء ببعضه محظورة ، أو يمنعه حقّه بدون الصّلح ، فإنّه لا يصحّ كذلك .

    والثّالث : للحنفيّة : وهو أنّه لو ادّعى شخص على آخر داراً ، حصل الصّلح على قسم معيّن منها ، فهناك قولان في المذهب :

    أحدهما : لا يصحّ هذا الصّلح ، وللمدّعي الادّعاء بعد ذلك بباقي الدّار ؛ لأنّ الصّلح إذا وقع على بعض المدّعى به يكون المدّعي قد استوفى بعض حقّه ، وأسقط البعض الآخر ، إلاّ أنّ الإسقاط عن الأعيان باطل ، فصار وجوده وعدمه بمنزلة واحدة ، كما أنّ بعض المدّعى به لا يكون عوضاً عن كلّه ، حيث يكون ذلك بمثابة أنّ الشّيء يكون عوضاً عن نفسه ، إذ البعض داخل ضمن الكلّ .

    والثّاني : يصحّ هذا الصّلح ، ولا تسمع الدّعوى في باقيها بعده ، وهو ظاهر الرّواية ؛ لأنّ الإبراء عن بعض العين المدّعى بها إبراء في الحقيقة عن دعوى ذلك البعض ، فالصّلح صحيح ولا تسمع الدّعوى بعده .

    أمّا لو صالحه على منفعة العين المدّعاة ، بأن صالحه عن بيت ادّعى عليه به وأقرّ له به على سكناه مدّةً معلومةً ، فقد اختلف الفقهاء في ذلك الصّلح على قولين :

    أحدهما : الجواز وهو قول الحنفيّة : ويعتبر إجارةً . وهو قول الشّافعيّة في الأصحّ ، ويعتبر إعارةً ؛ فتثبت فيه أحكامها . فإن عيّن مدّةً فإعارة مؤقّتة ، وإلاّ فمطلقة .

    والثّاني : عدم الجواز ، وهو للحنابلة ووجه عند الشّافعيّة ؛ لأنّه صالحه عن ملكه على منفعة ملكه ، فكأنّه ابتاع داره بمنفعتها ، وهو لا يجوز .

    ثانياً : صلح المعاوضة :

    وهو الّذي يجري على غير العين المدّعاة ، كأن ادّعى عليه داراً ، فأقرّ له بها ثمّ صالحه منها على ثوب أو دار أخرى .

    وهو جائز صحيح باتّفاق الفقهاء ، ويعدّ بيعاً ، وإن عقد بلفظ الصّلح ؛ لأنّه مبادلة مال بمال، ويشترط فيه جميع شروط البيع : كمعلوميّة البدل ، والقدرة على التّسليم ، والتّقابض في المجلس إن جرى بين العوضين ربا النّسيئة .

    كذلك تتعلّق به جميع أحكام البيع : كالرّدّ بالعيب ، وحقّ الشّفعة ، والمنع من التّصرّف قبل القبض ونحو ذلك ، كما يفسد بالغرر والجهالة الفاحشة والشّروط المفسدة للبيع .

    ولو صالحه من العين المدّعاة على منفعة عين أخرى ، كما إذا ادّعى على رجل شيئاً ، فأقرّ به ، ثمّ صالحه على سكنى داره ، أو ركوب دابّته ، أو لبس ثوبه مدّةً معلومةً فلا خلاف بين الفقهاء في جواز هذا الصّلح ، وأنّه يكون إجارةً ، وتترتّب عليه سائر أحكامها ؛ لأنّ العبرة للمعاني ، فوجب حمل الصّلح عليها ، لوجود معناها فيها ، وهو تمليك المنافع بعوض .

    ب - الصّلح عن الدّين :

    وذلك مثل أن يدّعي شخص على آخر ديناً ، فيقرّ المدّعى عليه له به ، ثمّ يصالحه على بعضه ، أو على مال غيره . وهو جائز - في الجملة - باتّفاق الفقهاء ، وإن كان ثمّة اختلاف بينهم في بعض صوره وحالاته .

    وهو عند الفقهاء نوعان : صلح إسقاط وإبراء ، وصلح معاوضة .

    أوّلاً : صلح الإسقاط والإبراء :

    ويسمّى عند الشّافعيّة صلح الحطيطة .

    وهو الّذي يجري على بعض الدّين المدّعى ، وصورته بلفظ الصّلح ، أن يقول المقرّ له : صالحتك على الألف الحالّ الّذي لي عليك على خمسمائة .

    وقد اختلف الفقهاء في حكمه على قولين :

    أحدهما : للحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، هو أنّ هذا الصّلح جائز ؛ إذ هو أخذ لبعض حقّه وإسقاط لباقيه ، لا معاوضة ، ويعتبر إبراءً للمدّعى عليه عن بعض الدّين ؛ لأنّه معناه .

    ثمّ قال الشّافعيّة : ويصحّ بلفظ الإبراء والحطّ ونحوهما ، كالإسقاط والهبة والتّرك والإحلال والتّحليل والعفو والوضع ، ولا يشترط حينئذ القبول على المذهب ، سواء قلنا : إنّ الإبراء تمليك أم إسقاط . كما يصحّ بلفظ الصّلح في الأصحّ . وفي اشتراط القبول إذا وقع به وجهان -كالوجهين فيما لو قال لمن عليه دين : وهبته لك - والأصحّ الاشتراط ؛ لأنّ اللّفظ بوضعه يقتضيه .

    والثّاني : للحنابلة : وهو أنّه إذا كان لرجل على آخر دين ، فوضع عنه بعض حقّه ، وأخذ منه الباقي ، كان ذلك جائزاً لهما إذا كان بلفظ الإبراء ، وكانت البراءة مطلقةً من غير شرط إعطاء الباقي ، كقول الدّائن : على أن تعطيني كذا منه ، ولم يمتنع المدّعى عليه من إعطاء بعض حقّه إلاّ بإسقاط بعضه الآخر . فإن تطوّع المقرّ له بإسقاط بعض حقّه بطيب نفسه جاز، غير أنّ ذلك ليس بصلح ولا من باب الصّلح بسبيل .

    أمّا إذا وقع ذلك بلفظ الصّلح فأشهر الرّوايتين عن الإمام أحمد : أنّه لا يصحّ ، وهي الرّواية الأصحّ في المذهب ؛ وذلك لأنّه صالح عن بعض ماله ببعضه ، فكان هضماً للحقّ .

    والثّانية : وهي ظاهر " الموجز " " والتّبصرة " أنّه يصحّ .

    أمّا لو صالحه عن ألف مؤجّل على خمسمائة معجّلة ، فقد اختلف الفقهاء في جواز ذلك على قولين :

    أحدهما : لجمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - والصّحيح عند الحنابلة أنّ ذلك لا يجوز .

    واستثنى الحنفيّة والحنابلة من ذلك دين الكتابة ؛ لأنّ الرّبا لا يجري بينهما في ذلك .

    وعلّل الشّافعيّة عدم الصّحّة : بأنّه ترك بعض المقدار ليحصل الحلول في الباقي ، والصّفة بانفرادها لا تقابل بعوض ؛ ولأنّ صفة الحلول لا يصحّ إلحاقها بالمؤجّل ، وإذا لم يحصل ما ترك من القدر لأجله لم يصحّ التّرك .

    ووجه المنع عند المالكيّة : أنّ من عجّل ما أجّل يعدّ مسلّفاً ، فقد أسلف الآن خمسمائة ليقتضي عند الأجل ألفاً من نفسه .

    وقد علّل الحنفيّة المنع في غير دين الكتابة : بأنّ صاحب الدّين المؤجّل لا يستحقّ المعجّل ، فلا يمكن أن يجعل استيفاءً ، فصار عوضاً ، وبيع خمسمائة بألف لا يجوز .

    وبيان ذلك : أنّ المعجّل لم يكن مستحقّاً بالعقد حتّى يكون استيفاؤه استيفاءً لبعض حقّه ، والتّعجيل خير من النّسيئة لا محالة ، فيكون خمسمائة بمقابلة خمسمائة مثله من الدّين ، والتّعجيل في مقابلة الباقي ، وذلك اعتياض عن الأجل ، وهو باطل ؛ ألا ترى أنّ الشّرع حرّم ربا النّسيئة ، وليس فيه إلاّ مقابلة المال بالأجل شبهةً ، فلأن تكون مقابلة المال بالأجل حقيقةً حرامًا أولى .

    الثّاني : جواز ذلك - وهو رواية عن الإمام أحمد ، حكاها ابن أبي موسى وغيره ، وهو قول ابن عبّاس وإبراهيم النّخعيّ ، واختاره الشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة وتلميذه ابن قيّم الجوزيّة. قال ابن القيّم : لأنّ هذا عكس الرّبا ، فإنّ الرّبا يتضمّن الزّيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل ، وهذا يتضمّن براءة ذمّته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل ، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل ، فانتفع به كلّ واحد منهما ، ولم يكن هنا رباً لا حقيقةً ولا لغةً ولا عرفاً ، فإنّ الرّبا الزّيادة ، وهي منتفية هاهنا ، والّذين حرّموا ذلك إنّما قاسوه على الرّبا ، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله : إمّا أن تربي ، وإمّا أن تقضي . وبين قوله : عجّل لي وأهب لك مائةً . فأين أحدهما من الآخر ؛ فلا نصّ في تحريم ذلك ، ولا إجماع ، ولا قياس صحيح .

    ولو صالح من ألف درهم حالّ على ألف درهم مؤجّل ، فقد اختلف الفقهاء في صحّة ذلك على قولين :

    أحدهما : للشّافعيّة والحنابلة : وهو أنّ التّأجيل لا يصحّ ، ويعتبر لاغياً ؛ إذ هو من الدّائن وعد بإلحاق الأجل ، وصفة الحلول لا يصحّ إلحاقها ، والوعد لا يلزم الوفاء به .

    والثّاني : للحنفيّة : وهو صحّة التّأجيل ، وذلك ؛ لأنّه إسقاط لوصف الحلول فقط ، وهو حقّ له ، فيصحّ ، ويكون من قبيل الإحسان . قالوا : لأنّ أمور المسلمين محمولة على الصّحّة ، فلو حملنا ذلك على المعاوضة فيلزم بيع الدّراهم بالدّراهم نساءً ، وذلك لا يجوز ؛ لأنّه بيع الدّين بالدّين ؛ لأنّ الدّراهم الحالّة والدّراهم المؤجّلة ثابتة في الذّمّة ، والدّين بالدّين لا يجوز ؛ لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن الكالئ بالكالئ » ، فلمّا لم يكن حمله على المعاوضة حملناه على التّأخير تصحيحاً للتّصرّف ؛ لأنّ ذلك جائز كونه تصرّفاً في حقّ نفسه، لا في حقّ غيره .

    ولو اصطلحا عن الدّين الحالّ على وضع بعضه وتأجيل الباقي ، كما لو صالح الدّائن مدينه عن ألف حالّة على خمسمائة مؤجّلة ، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال :

    الأوّل : للحنفيّة والمالكيّة وبعض الحنابلة . وهو صحّة الإسقاط والتّأجيل . وقد اختاره الشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة . قال ابن القيّم : وهو الصّواب ، بناءً على صحّة تأجيل القرض والعاريّة .

    والثّاني : للحنابلة في الأصحّ والشّافعيّة : وهو أنّه يصحّ الإسقاط دون التّأجيل . وعلّة صحّة الوضع والإسقاط : أنّه أسقط بعض حقّه عن طيب نفسه ، فلا مانع من صحّته ؛ لأنّه ليس في مقابلة تأجيل ، فوجب أن يصحّ كما لو أسقطه كلّه ؛ إذ هو مسامحة وليس بمعاوضة . والثّالث : لبعض الحنابلة : وهو أنّه لا يصحّ الإسقاط ولا التّأجيل ؛ بناءً على أنّ الصّلح لا يصحّ مع الإقرار ، وعلى أنّ الحالّ لا يتأجّل .




      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد يوليو 22, 2018 5:09 am